فصل: مسألة: وإن أعتق نصفي عبدين أجزأه

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المغني **


كتاب الكفارات

الأصل في كفارة اليمين الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون‏}‏ الآية وأما السنة فقول النبي -صلى الله عليه وسلم- ‏(‏إذا حلفت على يمين‏,‏ فرأيت غيرها خيرا منها فائت الذي هو خير وكفر عن يمينك‏)‏ في أخبار سوى هذا وأجمع المسلمون على مشروعية الكفارة في اليمين بالله تعالى‏.‏

مسألة

قال أبو القاسم -رحمه الله-‏:‏ ‏[‏ ومن وجبت عليه بالحنث كفارة يمين فهو مخير إن شاء أطعم عشرة مساكين مسلمين أحرارا‏,‏ كبارا كانوا أو صغارا إذا أكلوا الطعام ‏]‏

أجمع أهل العلم على أن الحانث في يمينه بالخيار إن شاء أطعم‏,‏ وإن شاء كسا وإن شاء أعتق أي ذلك فعل أجزأه لأن الله - تعالى - عطف بعض هذه الخصال على بعض بحرف ‏"‏ أو ‏"‏‏,‏ وهو للتخيير قال ابن عباس‏:‏ ما كان في كتاب الله ‏"‏أو‏"‏ فهو مخير فيه وما كان ‏"‏فمن لم يجد‏"‏ فالأول الأول ذكره الإمام أحمد في ‏"‏ التفسير ‏"‏ والواجب في الإطعام إطعام عشرة مساكين لنص الله تعالى على عددهم إلا أن لا يجد عشرة مساكين فيأتي ذكره‏,‏ -إن شاء الله تعالى- ويعتبر في المدفوع إليهم أربعة أوصاف أن يكونوا مساكين وهم الصنفان اللذان تدفع إليهم الزكاة المذكوران في أول أصنافهم‏,‏ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنما الصدقات للفقراء والمساكين‏}‏ والفقراء مساكين وزيادة لكون الفقير أشد حاجة من المسكين على ما بيناه ولأن الفقر والمسكنة في غير الزكاة شيء واحد لأنهما جميعا اسم للحاجة إلى ما لا بد منه في الكفاية ولذلك لو وصى للفقراء‏,‏ أو وقف عليهم أو للمساكين لكان ذلك لهم جميعا‏,‏ وإنما جعلا صنفين في الزكاة وفرق بينهما لأن الله - تعالى ذكر الصنفين جميعا باسمين فاحتيج إلى التفريق بينهما‏,‏ فأما في غير الزكاة فكل واحد من الاسمين يعبر به عن الصنفين لأن جهة استحقاقهم واحدة وهي الحاجة إلى ما تتم به الكفاية ولا يجوز صرفها إلى غيرهم‏,‏ سواء كان من أصناف الزكاة أو لم يكن لأن الله تعالى أمر بها للمساكين وخصهم بها‏,‏ فلا تدفع إلى غيرهم ولأن القدر المدفوع إلى كل واحد من الكفارة قدر يسير يراد به دفع حاجة يومه في مؤنته‏,‏ وغيرهم من الأصناف لا تندفع حاجتهم بهذا لكثرة حاجتهم وإذا صرفوا ما يأخذونه في حاجتهم صرفوه إلى غير ما شرع له الثاني‏,‏ أن يكونوا أحرارا فلا يجزئ دفعها إلى عبد ولا مكاتب‏,‏ ولا أم ولد وبهذا قال مالك والشافعي واختار الشريف أبو جعفر جواز دفعها إلى مكاتب نفسه وغيره وقال أبو الخطاب يتخرج جواز دفعها إليه بناء على جواز إعتاقه في كفارته لأنه يأخذ من الزكاة‏,‏ لحاجته فأشبه المسكين ولنا أن الله - تعالى - عده صنفا في الزكاة غير صنف المساكين‏,‏ ولا هو في معنى المساكين لأن حاجته من غير جنس حاجتهم فدل على أنه ليس بمسكين والكفارة إنما هي للمساكين بدليل الآية‏,‏ ولأن المسكين يدفع إليه لتتم كفايته والمكاتب إنما يأخذ لفكاك رقبته أما كفايته فإنها حاصلة بكسبه وماله‏,‏ فإن لم يكن له كسب ولا مال عجزه سيده ورجع إليه‏,‏ واستغنى بإنفاقه وخالف الزكاة فإنها تصرف إلى الغني والكفارة بخلافها الثالث‏,‏ أن يكونوا مسلمين ولا يجوز صرفها إلى كافر ذميا كان أو حربيا وبذلك قال الحسن‏,‏ والنخعي والأوزاعي ومالك‏,‏ والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وقال أبو ثور‏,‏ وأصحاب الرأي‏:‏ يجوز دفعها إلى الذمي لدخوله في اسم المساكين فيدخل في عموم الآية ولأنه مسكين من أهل دار الإسلام‏,‏ فأجزأ الدفع إليه من الكفارة كالمسلم وروي نحو هذا عن الشعبي وخرجه أبو الخطاب وجها في المذهب بناء على جواز إعتاقه في الكفارة وقال الثوري يعطيهم إن لم يجد غيرهم ولنا إنهم كفار‏,‏ فلم يجز إعطاؤهم كمستأمني أهل الحرب والآية مخصوصة بهذا‏,‏ فنقيس الرابع‏:‏ أن يكونوا قد أكلوا الطعام فإن كان طفلا لم يطعم لم يجز الدفع إليه‏,‏ في ظاهر كلام الخرقي وقول القاضي وهو ظاهر قول مالك فإنه قال‏:‏ يجوز الدفع إلى الفطيم وهو إحدى الروايتين عن أحمد والرواية الثانية يجوز دفعها إلى الصغير الذي لم يطعم‏,‏ ويقبض للصغير وليه وهو الذي ذكره أبو الخطاب في المذهب وهو مذهب الشافعي وأصحاب الرأي قال أبو الخطاب‏:‏ وهو قول أكثر الفقهاء لأنه حر مسلم محتاج فأشبه الكبير‏,‏ ولأن أكله للكفارة ليس بشرط وهذا يصرف الكفارة إلى ما يحتاج إليه مما تتم به كفايته‏,‏ فأشبه الكبير ولنا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إطعام عشرة مساكين‏}‏ وهذا يقتضي أكلهم له فإذا لم تعتبر حقيقة أكله اعتبر إمكانه ومظنته‏,‏ ولا تتحقق مظنته فيمن لا يأكل ولأنه لو كان المقصود دفع حاجته لجاز دفع القيمة‏,‏ ولم يتعين الإطعام وهذا يقيد ما ذكروه فإذا اجتمعت هذه الأوصاف الأربعة في واحد جاز الدفع إليه‏,‏ سواء كان صغيرا أو كبيرا محجورا عليه أو غير محجور عليه إلا أن من لا حجر عليه يقبض لنفسه‏,‏ أو يقبض له وكيله والمحجور عليه كالصغير والمجنون يقبض له وليه‏.‏

مسألة

قال‏:‏ ‏[‏ لكل مسكين مد من حنطة أو دقيق‏,‏ أو رطلان خبزا أو مدان تمرا أو شعيرا ‏]‏

أما مقدار ما يعطى كل مسكين وجنسه فقد ذكرناه في باب الظهار ونص الخرقي على أنه يجزئ الدقيق والخبز ونص أحمد عليه أيضا وروي عنه‏,‏ لا يجزئ الخبز وهو قول مالك والشافعي‏,‏ وقال‏:‏ لا يجزئه دقيق ولا سويق لأنه خرج عن حالة الكمال والادخار ولا يجزئ في الزكاة فلم يجزئ في الكفارة كالقيمة ولنا قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم‏}‏ وهذا قد أطعمهم من أوسط ما يطعم أهله‏,‏ فوجب أن يجزئه روى الإمام أحمد في كتاب التفسير بإسناده عن ابن عمر‏:‏ ‏{‏من أوسط ما تطعمون أهليكم‏}‏ قال‏:‏ الخبز واللبن وفي رواية عنه‏,‏ قال‏:‏ ‏{‏من أوسط ما تطعمون أهليكم‏}‏ الخبز والتمر والخبز والزيت والخبز والسمن وقال أبو رزين‏:‏ ‏{‏من أوسط ما تطعمون أهليكم‏}‏ ‏:‏ خبز وزيت وخل وقال الأسود بن يزيد الخبز والتمر وعن على الخبز‏:‏ والتمر‏,‏ الخبز والسمن الخبز واللحم وعن ابن سيرين قال‏:‏ كانوا يقولون‏:‏ أفضله الخبز واللحم‏,‏ وأوسطه الخبز والسمن وأخسه الخبز والتمر وقال عبيدة الخبز والزيت وسأل رجل شريحا ما أوسط طعام أهلي‏؟‏ فقال شريح إن الخبز والخل والزيت لطيب فقال له رجل‏:‏ أفرأيت الخبز واللحم‏؟‏ قال‏:‏ أرفع طعام أهلك وطعام الناس‏؟‏ وعن علي والحسن‏,‏ والشعبي وقتادة ومالك‏,‏ وأبي ثور يغديهم أو يعشيهم وهذا اتفاق على تفسير ما في الآية بالخبز ولأنه أطعم المساكين من أوسط طعام أهله فأجزأه‏,‏ كما لو أعطاه حبا ويفارق الزكاة من وجهين أحدهما أن الواجب عليه عشر الحب وعشر الحب حب‏,‏ فاعتبر الواجب وها هنا الواجب الإطعام والخبز أقرب إليه والثاني‏,‏ أن دفع الزكاة يراد للاقتيات في جميع العام فيحتاج إلى ادخاره فاعتبر أن يكون على صفة تمكن من ادخاره عاما‏,‏ والكفارة تراد لدفع حاجة يومه ولهذا تقدرت بما الغالب أنه يكفيه ليومه والخبز أقرب إلى ذلك لأنه قد كفاه مؤنة طحنه وخبزه إذا تقرر هذا‏,‏ فإنه إن أعطى المسكين رطلي خبز بالعراقي أجزأه لأنه لا يكون من أقل من مد وقدر ذلك بالرطل الدمشقي الذي هو ستمائة درهم‏,‏ خمس أواق وسبع أوقية وإن طحن مدا وخبزه‏,‏ أجزأه نص عليه أحمد وكذلك إذا دفع دقيق المد إلى المسكين أجزأه وإن دفع الدقيق من غير تقدير حنطته فقال أحمد‏:‏ يجزئه بالوزن رطل وثلث‏,‏ ولا يجزئه إخراج مد دقيق بالكيل لأنه يروع بالطحن فحصل في مد دقيق الحب أقل من مد الحب وإن زاد في الدقيق عن مد بحيث يعلم إنه قدر مد حنطة‏,‏ جاز وقول الخرقي في مد من دقيق يحتمل أنه أراد إخراجه بالوزن كما ذكر أحمد ويحتمل أنه أراد مدا من الحنطة‏,‏ طحنه ثم أخرج دقيقه ويحتمل أنه أراد إخراج ما يعلم أن حبه مد لما ذكرنا ويجب أن يحمل قوله في الدقيق والخبز على دقيق الحنطة وخبزها فإن أعطي من الشعير لم يجزئه إلا ضعف ذلك‏,‏ كما لا يجزئ من حبها إلا ضعف ما يجزئ من حب البر‏.‏

فصل

والأفضل إخراج الحب لأن فيه خروجا من الخلاف قال أحمد التمر أعجب إلى والدقيق ضعيف والتمر أحب إلي‏,‏ ويحتمل أن يكون إخراج الخبز أفضل لأنه أنفع للمسكين وأقل كلفة وأقرب إلى حصول المقصود منه بغنيته‏,‏ والظاهر أن المسكين يأكله ويستغني به في يومه ذلك والحب يعجز عن طحنه وعجنه‏,‏ فالظاهر أنه يحتاج إلى بيعه ثم يشتري بثمنه خبزا فيتكلف حمل كلفة البيع والشراء‏,‏ وغبن البائع والمشتري له وتأخر حصول النفع به وربما لم يحصل له بثمنه من الخبز ما يكفيه ليومه‏,‏ فيفوت المقصود مع حصول الضرر‏.‏

فصل

ويجب أن يكون المخرج في الكفارة سالما من العيب فلا يكون الحب مسوسا ولا متغيرا طعمه‏,‏ ولا فيه زؤان أو تراب يحتاج إلى تنقية وكذلك دقيقه وخبزه لأنه مخرج في حق الله - تعالى عما وجب في الذمة فلم يجز أن يكون معيبا كالشاة في الزكاة‏.‏

مسألة

قال‏:‏ ‏[‏ ولو أعطاهم مكان الطعام أضعاف قيمته ورقا‏,‏ لم يجزه ‏]‏

وجملته أنه لا يجزئ في الكفارة إخراج قيمة الطعام ولا الكسوة في قول إمامنا ومالك‏,‏ والشافعي وابن المنذر وهو ظاهر قول من سمينا قولهم في تفسير الآية في المسألة التي قبلها وهو ظاهر من قول عمر بن الخطاب وابن عباس‏,‏ وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير‏,‏ والنخعي وأجازه الأوزاعي وأصحاب الرأي لأن المقصود دفع حاجة المسكين وهو يحصل بالقيمة ولنا قول الله - تعالى‏:‏ ‏{‏إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم‏}‏ وهذا ظاهر في عين الطعام والكسوة‏,‏ فلا يحصل التكفير بغيره لأنه لم يؤد الواجب إذا لم يؤد ما أمره الله بأدائه ولأن الله - تعالى خير بين ثلاثة أشياء ولو جازت القيمة لم ينحصر التخيير في الثلاثة ولأنه‏,‏ لو أريدت القيمة لم يكن للتخيير معنى لأن قيمة الطعام إن ساوت قيمة الكسوة فهما شيء واحد فكيف يخير بينهما‏؟‏ وإن زادت قيمة أحدهما على الآخر‏,‏ فكيف يخير بين شيء وبعضه‏؟‏ ثم ينبغي أنه إذا أعطاه في الكسوة ما يساوي إطعامه أن يجزئه وهو خلاف الآية وكذلك لو غلت قيمة الطعام‏,‏ فصار نصف المد يساوي كسوة المسكين ينبغي أن يجزئه نصف المد وهو خلاف الآية ولأنه أحد ما يكفر به فتعين ما ورد به النص كالعتق أو فلا تجزئ فيه القيمة كالعتق فعلى هذا‏,‏ لو أعطاهم أضعاف قيمة الطعام لا يجزئه لأنه لم يؤد الواجب فلا يخرج عن عهدته‏.‏

مسألة

قال‏:‏ ‏[‏ ويعطي من أقاربه من يجوز أن يعطيه من زكاة ماله ‏]‏

وبهذا قال الشافعي وأبو ثور ولا نعلم فيه مخالفا ولأن الكفارة حق مال يجب لله - تعالى‏,‏ فجرى مجرى الزكاة فيمن يدفع إليه من أقاربه ومن لا يدفع إليه وقد سبق ذلك في باب الزكاة

فصل

وكل من يمنع الزكاة من الغني والكافر‏,‏ والرقيق يمنع أخذ الكفارة وهل يمنع منها بنو هاشم‏؟‏ فيه وجهان أحدهما يمنعون منها لأنها صدقة واجبة فمنعوا منها لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- ‏(‏إنا لا تحل لنا الصدقة‏)‏ وقياسا على الزكاة والثاني‏,‏ لا يمنعون لأنها لم تجب بأصل الشرع فأشبهت صدقة التطوع‏.‏

مسألة

قال‏:‏ ‏[‏ ومن لم يصب إلا مسكينا واحدا ردد عليه في كل يوم تتمة عشرة أيام ‏]‏

وجملته أن المكفر لا يخلو من أن يجد المساكين بكمال عددهم‏,‏ أولا يجدهم فإن وجدهم لم يجزئه إطعام أقل من عشرة في كفارة اليمين‏,‏ ولا أقل من ستين في كفارة الظهار وكفارة الجماع في رمضان وبهذا قال الشافعي وأبو ثور وأجاز الأوزاعي دفعها إلى واحد وقال أبو عبيد إن خص بها أهل بيت شديدي الحاجة جاز‏,‏ بدليل أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال للمجامع في رمضان حين أخبره بشدة حاجته وحاجة أهله‏:‏ ‏(‏أطعمه عيالك‏)‏ ولأنه دفع حق الله - تعالى - إلى من هو من أهل الاستحقاق فأجزأه‏,‏ كما لو دفع زكاته إلى واحد وقال أصحاب الرأي‏:‏ يجوز أن يرددها على مسكين واحد في عشرة أيام إن كانت كفارة يمين أو في ستين إن كان الواجب إطعام ستين مسكينا‏,‏ ولا يجوز دفعها إليه في يوم واحد وحكاه أبو الخطاب رواية عن أحمد لأنه في كل يوم قد أطعم مسكينا ما يجب للمسكين فأجزأ كما لو أعطى غيره‏,‏ ولأنه لو أطعم هذا المسكين من كفارة أخرى أجزأه فكذلك إذا أطعمه من هذه الكفارة ولنا‏,‏ قول الله - تعالى‏:‏ ‏{‏فكفارته إطعام عشرة مساكين‏}‏ ومن أطعم واحدا فما أطعم عشرة فما امتثل الأمر‏,‏ فلا يجزئه ولأن الله - تعالى - جعل كفارته إطعام عشرة مساكين فإذا لم يطعم عشرة فما أتى بالكفارة‏,‏ ولأن من لم يجز الدفع إليه في اليوم الأول لم يجز في اليوم الثاني مع اتفاق الحال‏,‏ كالولد فأما الواقع على أهله فإنما أسقط الله - تعالى - الكفارة عنه‏,‏ لعجزه عنها فإنه لا خلاف في أن الإنسان لا يأكل كفارة نفسه ولا يطعمها عائلته‏,‏ وقد أمر بذلك الحال الثاني العاجز عن عدد المساكين كلهم فإنه يردد على الموجودين منهم في كل يوم حتى تتم عشرة فإن لم يجد إلا واحدا‏,‏ ردد عليه تتمة عشرة أيام وإن وجد اثنين‏,‏ ردد عليهما خمسة أيام وعلى هذا ونحو هذا قال الثوري وهو اختيار أكثر الأصحاب وعن أحمد رواية أخرى‏,‏ لا يجزئه إلا كمال العدد وهو مذهب مالك والشافعي لما ذكرنا في حال القدرة ولنا أن ترديد الإطعام في عشرة أيام‏,‏ في معنى إطعام عشرة لأنه يدفع الحاجة في عشرة أيام فأشبه ما لو أطعم في كل يوم واحدا والشيء بمعناه يقوم مقامه بصورته عند تعذرها‏,‏ ولهذا شرعت الأبدال لقيامها مقام المبدلات في المعنى ولا يجتزأ بها مع القدرة على المبدلات كذا ها هنا‏.‏

فصل

وإن أطعم كل يوم مسكينا‏,‏ حتى أكمل العشرة أجزأه بلا خلاف نعلمه لأن الواجب إطعام عشرة مساكين‏,‏ وقد أطعمهم وإن دفعها إلى من يظنه مسكينا فبان غنيا ففي ذلك وجهان‏,‏ بناء على الروايتين في دفع الزكاة إليه أحدهما لا يجزئه وهو قول الشافعي وأبي يوسف‏,‏ وأبي ثور وابن المنذر لأنه لم يطعم المساكين فلم يجزئه‏,‏ كما لو علم والثاني يجزئه وهو قول أبي حنيفة ومحمد لأنه دفعها إلى من يظنه مسكينا‏,‏ وظاهره المسكنة فأجزأه كما لو لم يعلم‏,‏ وهذا لأن الفقر يخفى وتشق معرفة حقيقته قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف‏}‏ فوجب أن يكتفى بظهوره وظنه‏,‏ وكذلك لما سأل الرجلان النبي -صلى الله عليه وسلم- من الصدقة قال‏:‏ ‏(‏إن شئتما أعطيتكما منها ولا حظ فيها لغني‏,‏ ولا لقوي مكتسب‏)‏ وإن بان كافرا أو عبدا لم يجزئه وجها واحدا‏,‏ كقولنا في الزكاة لأن ذلك لا يكاد يخفى وليس هو في مظنة الخفاء فإن كان الدافع الإمام فأخطأ في الفقر‏,‏ لم يضمن وإن أخطأ في الحرية والإسلام فهل يضمن‏؟‏ على الوجهين بناء على خطئه في الحد‏.‏

فصل

إذا أطعم مسكينا في يوم واحد من كفارتين‏,‏ ففيه وجهان أحدهما يجزئه لأنه أطعم عن كل كفارة عشرة مساكين فأجزأه‏,‏ كما لو أطعمه في يومين ولأن من جاز له أن يأخذ من اثنين جاز أن يأخذ من واحد‏,‏ كالقدر الذي يجوز له أخذه من الزكاة والثاني لا يجزئه إلا عن واحد وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف لأنه أعطى مسكينا في يوم طعام اثنين‏,‏ فلم يجزئه إلا عن واحد كما لو كان في كفارة واحدة وإن أطعم اثنين من كفارتين في يوم واحد جاز ولا نعلم في جوازه خلافا وكذلك إن أطعم واحدا من كفارتين في يومين‏,‏ ‏,‏ جاز أيضا بغير خلاف نعلمه فلو كان على واحد عشر كفارات وعنده عشرة مساكين‏,‏ يطعمهم كل يوم كفارة يفرقها عليهم جاز لأنه أتى بما أمر به فخرج عن عهدته‏,‏ وبيان أنه أتى بما أمر أنه أطعم عن كل كفارة عشرة مساكين من أوسط ما يطعم أهله والحكم في الكسوة كالحكم في الطعام‏,‏ على ما فصلناه‏.‏

مسألة

قال‏:‏ ‏[‏ وإن شاء كسا عشرة مساكين للرجل ثوب يجزئه أن يصلي فيه وللمرأة درع وخمار ‏]‏

لا خلاف في أن الكسوة أحد أصناف كفارة اليمين لنص الله - تعالى - عليها في كتابه بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أو كسوتهم‏}‏ ولا تدخل في كفارة غير كفارة اليمين ولا يجزئه أقل من كسوة عشرة لقول الله - تعالى‏:‏ ‏{‏فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم‏}‏ وتتقدر الكسوة بما يجزئ الصلاة فيه فإن كان رجلا‏,‏ فثوب تجزئه الصلاة فيه وإن كانت امرأة فدرع وخمار وبهذا قال مالك وممن قال‏:‏ لا يجزئه السراويل الأوزاعي‏,‏ وأبو يوسف وقال إبراهيم‏:‏ ثوب جامع وقال الحسن‏:‏ كل مسكين حلة إزار ورداء وقال ابن عمر وعطاء وطاوس‏,‏ ومجاهد وعكرمة وأصحاب الرأي‏:‏ يجزئه ثوب ثوب ولم يفرقوا بين الرجل والمرأة وحكي عن الحسن قال‏:‏ يجزئ العمامة وقال سعيد بن المسيب عباءة وعمامة وقال الشافعي‏:‏ يجزئ أقل ما يقع عليه الاسم‏,‏ من سراويل أو إزار أو رداء‏,‏ أو مقنعة أو عمامة وفي القلنسوة وجهان واحتجوا بأن ذلك يقع عليه اسم الكسوة‏,‏ فأجزأ كالذي تجوز الصلاة فيه ولنا أن الكسوة أحد أنواع الكفارة‏,‏ فلم يجز فيه ما يقع عليه الاسم كالإطعام والإعتاق ولأن التكفير عبادة تعتبر فيها الكسوة‏,‏ فلم يجز فيها أقل مما ذكرناه كالصلاة ولأنه مصروف إلى المساكين في الكفارة‏,‏ فيتقدر كالإطعام ولأن اللابس ما لا يستر عورته إنما يسمى عريانا‏,‏ ولا مكتسيا وكذلك لابس السراويل وحده أو مئزر‏,‏ يسمى عريانا فلا يجزئه لقول الله - تعالى ‏{‏أو كسوتهم‏}‏ إذا ثبت هذا فإنه إذا كسا امرأة‏,‏ أعطاها درعا وخمارا لأنه أقل ما يستر عورتها وتجزئها الصلاة فيه وإن أعطاها ثوبا واسعا‏,‏ يمكنها أن تستر به بدنها ورأسها أجزأه ذلك وإن كسا الرجل أجزأه قميص أو ثوب يمكنه أن يستر به عورته‏,‏ ويجعل على عاتقه منه شيئا أو ثوبين يأتزر بأحدهما ويرتدي بالآخر ولا يجزئه مئزر وحده ولا سروال وحده‏,‏ لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ‏(‏لا يصلي أحدكم في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء‏)‏‏.‏

فصل

ويجوز أن يكسوهم من جميع أصناف الكسوة من القطن والكتان‏,‏ والصوف والشعر والوبر‏,‏ والخز والحرير لأن الله - تعالى - أمر بكسوتهم ولم يعين جنسا فأي جنس كساهم منه خرج به عن العهدة لوجود الكسوة المأمور بها ويجوز أن يكسوهم لبيسا أو جديدا‏,‏ إلا أن يكون مما قد بلي وذهبت منفعته فلا يجزئ لأنه معيب‏,‏ كالحب المعيب والرقبة إذا بطلت منفعتها وسواء كان ما أعطاهم مصبوغا أو غير مصبوغ أو خاما أو مقصورا لأنه تحصل الكسوة المأمور بها‏,‏ والحكمة المقصودة منها‏.‏

فصل

والذين تجزئ كسوتهم هم المساكين الذين يجزئ إطعامهم لأن الله - تعالى قال‏:‏ ‏{‏فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم‏}‏ فينصرف الضمير إليهم وقد تقدم الكلام في المساكين وأصنافهم‏.‏

مسألة

قال‏:‏ ‏[‏ وإن شاء أعتق رقبة مؤمنة قد صلت وصامت لأن الإيمان قول وعمل‏,‏ وتكون سليمة ليس فيها نقص يضر بالعمل ‏]‏

وجملته أن إعتاق الرقبة أحد خصال الكفارة بغير خلاف لنص الله تعالى عليه‏,‏ بقوله‏:‏ ‏{‏أو تحرير رقبة‏}‏ ويعتبر في الرقبة ثلاثة أوصاف أحدها أن تكون مؤمنة في ظاهر المذهب وهو قول مالك والشافعي‏,‏ وأبي عبيد وعن أحمد رواية أخرى أن الذمية تجزئ وهو قول عطاء‏,‏ وأبي ثور وأصحاب الرأي لقول الله - تعالى‏:‏ ‏{‏فتحرير رقبة مؤمنة‏}‏ وهذا مطلق فتدخل فيه الكافرة ولنا‏,‏ أنه تحرير في كفارة فلا يجزئ فيه الكافرة ككفارة القتل‏,‏ والجامع بينهما أن الإعتاق يتضمن تفريغ العبد المسلم لعبادة ربه وتكميل أحكامه وعبادته وجهاده‏,‏ ومعونة المسلم فناسب ذلك شرع إعتاقه في الكفارة تحصيلا لهذه المصالح‏,‏ والحكم مقرون بها في كفارة القتل المنصوص على الإيمان فيها فيعلل بها ويتعدى ذلك الحكم إلى كل تحرير في كفارة‏,‏ فيختص بالمؤمنة لاختصاصها بهذه الحكمة وأما المطلق الذي احتجوا به فإنه يحمل على المقيد في كفارة القتل‏,‏ كما حمل مطلق قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واستشهدوا شهيدين من رجالكم‏}‏ على المقيد في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأشهدوا ذوي عدل منكم‏}‏ وإن لم يحمل عليه من جهة اللغة حمل عليه من جهة القياس الثاني أن تكون قد صلت وصامت وهذا قول الشعبي‏,‏ ومالك وإسحاق قال القاضي‏:‏ لا يجزئ من له دون السبع لأنه لا تصح منه العبادات في ظاهر كلام أحمد وظاهر كلام الخرقي‏,‏ المعتبر الفعل دون السن فمن صلى وصام ممن له عقل يعرف الصلاة والصيام ويتحقق منه الإتيان به بنيته وأركانه‏,‏ فإنه يجزئ في الكفارة وإن كان صغيرا ولم يوجدا منه لم يجزئ في الكفارة وإن كان كبيرا وقال أبو بكر وغيره من أصحابنا‏:‏ يجوز إعتاق الطفل في الكفارة وهو قول الحسن‏,‏ وعطاء والزهري والشافعي‏,‏ وابن المنذر لأن المراد بالإيمان ها هنا الإسلام بدليل إعتاق الفاسق قال الثوري المسلمون كلهم مؤمنون عندنا في الأحكام ولا ندري ما هم عند الله ولهذا تعلق حكم القتل بكل مسلم بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن قتل مؤمنا خطأ‏}‏ والصبي محكوم بإسلامه‏,‏ يرثه المسلمون ويرثهم ويدفن في مقابر المسلمين ويغسل ويصلى عليه‏,‏ وإن سبي منفردا عن أبويه أجزأه عتقه لأنه محكوم بإسلامه وكذلك إن سبي مع أحد أبويه ولو كان أحد أبوي الطفل مسلما‏,‏ والآخر كافرا أجزأ إعتاقه لأنه محكوم بإسلامه وقال القاضي في موضع‏:‏ يجزئ إعتاق الصغير في جميع الكفارات‏,‏ إلا كفارة القتل فإنها على روايتين وقال إبراهيم النخعي ما كان في القرآن من رقبة مؤمنة فلا يجزئ إلا ما صام وصلى وما كان في القرآن رقبة ليست بمؤمنة‏,‏ فالصبي يجزئ ونحو هذا قول الحسن ووجه قول الخرقي أن الواجب رقبة مؤمنة والإيمان قول وعمل‏,‏ فما لم تحصل الصلاة والصيام لم يحصل العمل وقال مجاهد وعطاء‏,‏ في قوله‏:‏ ‏{‏فتحرير رقبة مؤمنة‏}‏ قال‏:‏ قد صلت ونحو هذا قول الحسن وإبراهيم وقال مكحول إذا ولد المولود فهو نسمة فإذا تقلب ظهرا لبطن فهو رقبة‏,‏ فإذا صلى فهو مؤمنة ولأن الطفل لا تصح منه عبادة لفقد التكليف فلم يجزئ في الكفارة كالمجنون‏,‏ ولأن الصبا نقص يستحق به النفقة على القريب أشبه الزمانة والقول الآخر أقرب إلى الصحة إن شاء الله - تعالى لأن الإيمان الإسلام‏,‏ وهو حاصل في حق الصغير ويدل على هذا ‏(‏أن معاوية بن الحكم السلمي أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- بجارية فقال لها‏:‏ أين الله‏؟‏ قالت‏:‏ في السماء قال‏:‏ من أنا‏؟‏ قالت‏:‏ أنت رسول الله قال‏:‏ أعتقها‏,‏ فإنها مؤمنة‏)‏ رواه مسلم وفي حديث عن أبي هريرة ‏(‏أن رجلا أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- بجارية أعجمية فقال‏:‏ يا رسول الله‏:‏ إن علي رقبة فقال لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-‏:‏ أين الله‏؟‏ فأشارت برأسها إلى السماء قال‏:‏ من أنا‏؟‏ فأشارت إلى رسول الله وإلى السماء أي‏:‏ أنت رسول الله قال‏:‏ أعتقها‏)‏ فحكم لها بالإيمان بهذا القول‏.‏

فصل

ولا يجزئ إعتاق الجنين. في قول أكثر أهل العلم. وبه قال أبو حنيفة، والشافعي. وقال أبو ثور: يجزئ؛ لأنه آدمي مملوك، فصح إعتاقه عن الرقبة، كالمولود. ولنا، أنه لم تثبت له أحكام الدنيا بعد؛ فإنه لا يملك إلا بالإرث والوصية، ولا يشترط لهما كونه آدميا؛ لكونه ثبت له ذلك وهو نطفة أو علقة، وليس بآدمي في تلك الحال. الثالث، أن لا يكون بها نقص يضر بالعمل. وقد شرحنا ذلك في الظهار. ويجزئ الصبي وإن كان عاجزا عن العمل؛ لأن ذلك ماض إلى زوال، وصاحبه سائر إلى الكمال. ولا يجزئ المجنون؛ لأن نقصه لا غاية لزواله معلومة، فأشبه الزمن .

فصل

فإن أعتق غائبا تعلم حياته وتجيء أخباره صح‏,‏ وأجزأه عن الكفارة كالحاضر وإن شك في حياته وانقطع خبره لم يحكم بالإجزاء فيه لأن الأصل شغل ذمته‏,‏ ولا تبرأ بالشك وهذا العبد مشكوك فيه في وجوده فشك في إعتاقه فإن قيل‏:‏ الأصل حياته قلنا‏:‏ إلا أنه قد علم أن الموت لا بد منه‏,‏ وقد وجدت دلالة عليه وهو انقطاع أخباره فإن تبين بعد هذا كونه حيا تبينا صحة عتقه وبراءة الذمة من الكفارة‏,‏ وإلا فلا‏.‏

فصل

وإن أعتق غيره عنه بغير أمره لم يقع عن المعتق عنه إذا كان حيا‏,‏ وولاؤه للمعتق ولا يجزئ عن كفارته وإن نوى ذلك وبهذا قال أبو حنيفة‏,‏ والشافعي وحكي عن مالك أنه إذا أعتق عن واجب على غيره بغير أمره صح لأنه قضى عنه واجبا فصح‏,‏ كما لو قضى عنه دينا ولنا أنه عبادة من شرطها النية فلم يصح أداؤها عمن وجبت عليه بغير أمره‏,‏ مع كونه من أهل الأمر كالحج ولأنه أحد خصال الكفارة فلم يصح عن المكفر بغير أمره‏,‏ كالصيام وهكذا الخلاف فيما إذا كفر عنه بإطعام أو كسوة ولا يجوز أن ينوب عنه في الصيام بإذنه ولا بغير إذنه لأنه عبادة بدنية فلا تدخلها النيابة فأما إن أعتق عنه بأمره‏,‏ نظرت فإن جعل له عوضا صح العتق عن المعتق عنه وله ولاؤه‏,‏ وأجزأ عن كفارته بغير خلاف علمناه وبه يقول أبو حنيفة ومالك‏,‏ والشافعي وغيرهم لأنه حصل العتق عنه بماله فأشبه ما لو اشتراه ووكل البائع في إعتاقه عنه‏,‏ وإن لم يشترط عوضا ففيه روايتان إحداهما يقع العتق عن المعتق عنه‏,‏ ويجزئ في كفارته وهو قول مالك والشافعي لأنه أعتق بأمره فصح كما لو شرط عوضا والأخرى‏,‏ لا يجزئ وولاؤه للمعتق وهو قول أبي حنيفة لأن العتق بعوض كالبيع وبغير عوض كالهبة‏,‏ ومن شرط الهبة القبض ولم يحصل فلم يقع عن الموهوب له‏,‏ وفارق البيع فإنه لا يشترط فيه القبض فإن كان المعتق عنه ميتا نظرت فإن وصى بالعتق‏,‏ صح لأنه بأمره وإن لم يوص به فأعتق عنه أجنبي لم يصح لأنه ليس بنائب عنه‏,‏ وإن أعتق عنه وارثه فإن لم يكن عليه واجب لم يصح العتق عنه‏,‏ ووقع عن المعتق وإن كان عليه عتق واجب صح العتق عنه لأنه نائب له في ماله وأداء واجباته فإن كانت عليه كفارة يمين فكسا عنه أو أطعم عنه‏,‏ جاز وإن أعتق عنه ففيه وجهان أحدهما‏,‏ ليس له ذلك لأنه غير متعين فجرى مجرى التطوع والثاني يجزئ لأن العتق يقع واجبا لأن الوجوب يتعين فيه بالفعل‏,‏ فأشبه المعين من العتق ولأنه أحد خصال كفارة اليمين فجاز أن يفعله عنه‏,‏ كالإطعام والكسوة ولو قال من عليه الكفارة‏:‏ أطعم عن كفارتي أو‏:‏ اكس ففعل صح رواية واحدة‏,‏ سواء ضمن له عوضا أو لم يضمن له عوضا‏.‏

مسألة

قال: [ولو اشتراها بشرط العتق فأعتقها في الكفارة، عتقت، ولم تجزئه عن الكفارة ] وهذا مذهب الشافعي. وروي عن معقل بن يسار ما يدل عليه؛ وذلك لأنه إذا اشتراها بشرط العتق، فالظاهر أن البائع نقصه من الثمن لأجل هذا الشرط، فكأنه أخذ عن العتق عوضا، فلم يجزئه عن الكفارة. قال أحمد: إن كانت رقبة واجبة، لم يجزئه؛ لأنها ليست رقبة سليمة، ولأن عتقها يستحق بسبب آخر، وهو الشرط، فلم يجزئه، كما لو اشترى قريبه، فنوى بشرائه العتق عن الكفارة، أو قال: إن دخلت الدار فأنت حر. ثم نوى عند دخوله أنه عن كفارته.

فصل

ولو قال له رجل‏:‏ أعتق عبدك عن كفارتك ولك عشرة دنانير ففعل‏,‏ لم يجزئه عن الكفارة لأن الرقبة لم تقع خالصة عن الكفارة وقال القاضي العتق كله يقع عن باذل العوض وله ولاؤه وهذا فيه نظر فإن المعتق لم يعتقه عن باذل العوض ولا رضي بإعتاقه عنه‏,‏ ولا باذل العوض طلب ذلك والصحيح أن إعتاقه من المعتق والولاء له وقد ذكر الخرقي أنه إذا قال‏:‏ أعتقه‏,‏ والثمن علي فالثمن عليه والولاء للمعتق فإن رد العشرة على باذلها ليكون العتق عن الكفارة وحدها أو عزم على رد العشرة‏,‏ أو رد العشرة قبل العتق وأعتقه عن كفارته أجزأه‏.‏

فصل

وإذا اشترى عبدا ينوي إعتاقه عن كفارته فوجد به عيبا لا يمنع من الإجزاء في الكفارة‏,‏ فأخذ أرشه ثم أعتق العبد عن كفارته أجزأه وكان الأرش له لأن العتق إنما وقع على العبد المعيب دون الأرش وإن أعتقه قبل العلم بالعيب‏,‏ ثم ظهر على العيب فأخذ أرشه فهو له أيضا‏,‏ كما لو أخذه قبل إعتاقه وعنه أنه يصرف ذلك الأرش في الرقاب لأنه أعتقه معتقدا أنه سليم فكان بمنزلة العوض عن حق الله - تعالى -‏,‏ وكفارة الأرش مصروفة في حق الله - تعالى كما لو باعه كان الأرش للمشتري وإن علم العيب ولم يأخذ أرشه حتى أعتقه‏,‏ كان الأرش للمعتق لأنه أعتقه معيبا عالما بعيبه فلم يلزمه أرش كما لو باعه ولم يعلم عيبه‏.‏

مسألة

قال‏:‏ ‏[‏ وكذلك ولو اشترى بعض من يعتق عليه إذا ملكه‏,‏ ينوي بشرائه الكفارة عتق ولم يجزئه ‏]‏

وبهذا قال مالك‏,‏ والشافعي وأبو ثور وقال أصحاب الرأي‏:‏ يجزئه‏:‏ استحسانا لأنه يجزئ عن كفارة البائع فأجزأ عن كفارة المشتري‏,‏ كغيره ولنا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فتحرير رقبة‏}‏ والتحرير فعل العتق ولم يحصل العتق ها هنا بتحرير منه‏,‏ ولا إعتاق فلم يكن ممتثلا للأمر ولأن عتقه مستحق بسبب آخر‏,‏ فلم يجزئه كما لو ورثه ينوي به العتق عن كفارته أو كأم الولد‏,‏ ويخالف المشتري البائع من وجهين أحدهما أن البائع يعتقه والمشتري لم يعتقه‏,‏ إنما يعتق بإعتاق الشرع وهذا عن غير اختيار منه والثاني أن البائع لا يستحق عليه إعتاقه‏,‏ والمشتري بخلافه‏.‏

فصل

إذا ملك نصف عبد فأعتقه عن كفارته عتق‏,‏ وسرى إلى باقيه إن كان موسرا بقيمة باقيه ولم يجزئه عن كفارته في قول أبي بكر الخلال‏,‏ وصاحبه وحكاه عن أحمد وهو قول أبي حنيفة لأن عتق نصيب شريكه لم يحصل بإعتاقه إنما حصل بالسراية‏,‏ وهي غير فعله وإنما هي من آثار فعله فأشبه ما لو اشترى من يعتق عليه ينوي به الكفارة يحقق هذا‏,‏ أنه لم يباشر بالإعتاق إلا نصيبه فسرى إلى غيره ولو خص نصيب غيره بالإعتاق‏,‏ لم يعتق منه شيء ولأنه إنما يملك إعتاق نصيبه لا نصيب غيره وقال القاضي‏:‏ قال غيرهما من أصحابنا‏:‏ يجزئه إذا نوى إعتاق جميعه عن كفارته وهو مذهب الشافعي لأنه أعتق عبدا كامل الرق‏,‏ سليم الخلق غير مستحق العتق ناويا به الكفارة‏,‏ فأجزأه كما لو كان الجميع ملكه والأول أصح إن شاء الله‏,‏ ولا نسلم أنه أعتق العبد كله وإنما أعتق نصفه وعتق الباقي عليه‏,‏ فأشبه شراء قريبه ولأن إعتاق باقيه مستحق بالسراية فهو كالقريب‏,‏ فعلى هذا‏:‏ هل يجزئه عتق نصفه الذي هو ملكه ويعتق نصفا آخر فتكمل الكفارة‏؟‏ ينبني على ما إذا أعتق نصفي عبدين وسنذكره إن شاء الله - تعالى وإن نوى عتق نصيبه عن الكفارة‏,‏ ولم ينو ذلك في نصيب شريكه لم يجزئه نصيب شريكه وفي نصيبه نفسه ما سنذكره -إن شاء الله تعالى- ولو كان معسرا‏,‏ فأعتق نصيبه عن كفارته فكذلك فإن ملك باقيه‏,‏ فأعتقه عن الكفارة أجزأه ذلك وإن أراد صيام شهر‏,‏ وإطعام ثلاثين مسكينا لم يجزئه كما لو أعتق نصف عبد في كفارة اليمين‏,‏ وأطعم خمسة مساكين أو كساهم لم يجزئه‏.‏

فصل

وإن كان العبد كله له فأعتق جزءا منه معينا‏,‏ أو مشاعا عتق جميعه فإن كان نوى به الكفارة أجزأ عنه لأن إعتاق بعض العبد إعتاق لجميعه وإن نوى إعتاق الجزء الذي باشره بالإعتاق عن الكفارة دون غيره‏,‏ لم يجزئه عتق غيره وهل يحتسب بما نوى به الكفارة‏؟‏ على وجهين‏.‏

فصل

وإن قال‏:‏ إن ملكت فلانا فهو حر وقلنا‏:‏ يصح هذا التعليق فاشتراه ينوي العتق عن كفارته عتق‏,‏ ولم يجزئه عن الكفارة ويخرج فيه من الخلاف مثل ما في شراء قريبه والله أعلم‏.‏

مسألة

قال‏:‏ ‏[‏ ولا تجزئ في الكفارة أم ولد ‏]‏

هذا ظاهر المذهب وبه قال الأوزاعي ومالك‏,‏ والشافعي وأبو عبيد وأصحاب الرأي وعن أحمد‏,‏ رواية أخرى أنها تجزئ ويروى ذلك عن الحسن وطاوس‏,‏ والنخعي وعثمان البتي لقول الله - تعالى‏:‏ ‏{‏فتحرير رقبة‏}‏ ومعتقها قد حررها ولنا أن عتقها يستحق بسبب آخر‏,‏ فلم يجزئ عنه كما لو اشترى قريبه أو عبدا بشرط العتق فأعتقه‏,‏ وكما لو قال لعبده‏:‏ أنت حر إن أدخلت الدار ثم نوى عتقه عن كفارته عند دخوله والآية مخصوصة بما ذكرناه فنقيس عليه ما اختلفنا فيه‏.‏

فصل

ولد أم الولد الذي ولدته بعد كونها أم ولد حكمه حكمها فيما ذكرناه لأن حكمه حكمها في العتق بموت سيدها‏.‏

مسألة

قال‏:‏ ‏[‏ ولا مكاتب قد أدى من كتابته شيئا ‏]‏

روي عن أحمد‏,‏ -رحمه الله- في المكاتب ثلاث روايات إحداهن يجزئ مطلقا اختاره أبو بكر وهو مذهب أبي ثور لأن المكاتب عبد يجوز بيعه‏,‏ فأجزأ عتقه كالمدبر ولأنه رقبة‏,‏ فدخل في مطلق قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فتحرير رقبة‏}‏ والثانية لا يجزئ مطلقا وهو قول مالك والشافعي‏,‏ وأبي عبيد لأن عتقه مستحق بسبب آخر ولهذا لا يملك إبطال كتابته فأشبه أم الولد والثالثة‏,‏ إن أدى من كتابته شيئا لم يجزئه وإلا أجزأه وبهذا قال الليث والأوزاعي‏,‏ وإسحاق وأصحاب الرأي قال القاضي‏:‏ هو الصحيح لأنه إذا أدى شيئا فقد حصل العوض عن بعضه فلم يجزئ‏,‏ كما لو أعتق بعض رقبة وإذا لم يؤد فقد أعتق رقبة كاملة مؤمنة سالمة الخلق تامة الملك‏,‏ لم يحصل عن شيء منها عوض فأجزأ عتقه كالمدبر ولو أعتق عبدا على مال‏,‏ فأخذه من العبد لم يجزئ عن كفارته في قولهم جميعا‏.‏

مسألة

قال‏:‏ ‏[‏ ويجزئه المدبر ‏]‏

وهذا قول طاوس‏,‏ والشافعي وأبي ثور وابن المنذر وقال الأوزاعي‏,‏ وأبو عبيد وأصحاب الرأي‏:‏ لا يجزئ لأن عتقه مستحق بسبب آخر فأشبه أم الولد‏,‏ ولأن بيعه عندهم غير جائز فأشبه أم الولد ولنا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فتحرير رقبة‏}‏ وقد حرر رقبة‏,‏ ولأنه عبد كامل المنفعة يجوز بيعه ولم يحصل عن شيء منه عوض‏,‏ فجاز عتقه كالقن والدليل على جواز بيعه‏,‏ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- باع مدبرا وسنذكر حديثه في بابه إن شاء الله - تعالى ولأن التدبير إما أن يكون وصية أو عتقا بصفة وأيا ما كان‏,‏ فلا يمنع التكفير بإعتاقه قبل وجود الصفة والصفة ها هنا الموت ولم يوجد‏.‏

مسألة

قال‏:‏ ‏[‏ والخصي ‏]‏

لا نعلم في إجزاء الخصي خلافا‏,‏ سواء كان مقطوعا أو مشلولا أو موجوءا لأن ذلك نقص لا يضر بالعمل ولا يؤثر فيه بل ربما زادت بذلك قيمته‏,‏ فاندفع فيه ضرر شهوته فأجزأ كالفحل‏.‏

مسألة

قال‏:‏ ‏[‏ وولد الزنى ‏]‏

هذا قول أكثر أهل العلم‏,‏ روي ذلك عن فضالة بن عبيد وأبي هريرة وبه قال ابن المسيب‏,‏ والحسن وطاوس والشافعي‏,‏ وإسحاق وأبو عبيد وابن المنذر وروي عن عطاء‏,‏ والشعبي والنخعي والأوزاعي‏,‏ وحماد أنه لا يجزئ لأن أبا هريرة روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال‏:‏ ‏(‏ولد الزنى شر الثلاثة‏)‏ قال أبو هريرة‏:‏ لأن أمتع بسوط في سبيل الله أحب إلي من أن أعتق ولد زنية رواه أبو داود ولنا‏,‏ دخوله في مطلق قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فتحرير رقبة‏}‏ ولأنه مملوك مسلم كامل العمل لم يعتض عن شيء منه ولا استحق عتقه بسبب آخر‏,‏ فأجزأ عتقه كولد الرشيدة فأما الأحاديث الواردة في ذمه فاختلف أهل العلم في تفسيرها فقال الطحاوي‏:‏ ولد الزنى هو الملازم للزنى‏,‏ كما يقال‏:‏ ابن السبيل الملازم لها وولد الليل الذي لا يهاب السرقة وقال الخطابي عن بعض أهل العلم‏,‏ قال‏:‏ هو شر الثلاثة أصلا وعنصرا ونسبا لأنه خلق من ماء الزنى وهو خبيث وأنكر قوم هذا التفسير وقالوا‏:‏ ليس عليه من وزر والديه شيء‏,‏ وقد قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تزر وازرة وزر أخرى‏}‏ وفي الجملة هذا يرجع إلى أحكام الآخرة أما أحكام الدنيا‏,‏ فهو كغيره في صحة إمامته وبيعه‏,‏ وعتقه وقبول شهادته فكذلك في إجزاء عتقه عن الكفارة لأنه من أحكام الدنيا‏.‏

مسألة

قال‏:‏ ‏[‏ فإن لم يجد من هذه الثلاثة واحدا أجزأه صيام ثلاثة أيام متتابعة‏]‏

يعني إن لم يجد إطعاما‏,‏ ولا كسوة ولا عتقا انتقل إلى صيام ثلاثة أيام لقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام‏}‏ وهذا لا خلاف فيه‏,‏ إلا في اشتراط التتابع في الصوم وظاهر المذهب اشتراطه كذلك قال إبراهيم النخعي‏,‏ والثوري وإسحاق وأبو عبيد‏,‏ وأبو ثور وأصحاب الرأي وروي نحو ذلك عن علي رضي الله عنه وبه قال عطاء ومجاهد‏,‏ وعكرمة وحكى ابن أبي موسى عن أحمد رواية أخرى‏,‏ أنه يجوز تفريقها وبه قال مالك والشافعي في أحد قوليه لأن الأمر بالصوم مطلق‏,‏ فلا يجوز تقييده إلا بدليل ولأنه صام الأيام الثلاثة فلم يجب التتابع فيه‏,‏ كصيام المتمتع ثلاثة أيام في الحج ولنا أن في قراءة أبي وعبد الله بن مسعود‏:‏ ‏"‏ فصيام ثلاثة أيام متتابعات ‏"‏ كذلك ذكره الإمام أحمد‏,‏ في ‏"‏ التفسير ‏"‏ عن جماعة وهذا إن كان قرآنا فهو حجة لأنه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه‏,‏ وإن لم يكن قرآنا فهو رواية عن النبي -صلى الله عليه وسلم- إذ يحتمل أن يكونا سمعاه من النبي -صلى الله عليه وسلم- تفسيرا فظناه قرآنا فثبتت له رتبة الخبر‏,‏ ولا ينقص عن درجة تفسير النبي -صلى الله عليه وسلم- للآية وعلى كلا التقديرين فهو حجة يصار إليه‏,‏ ولأنه صيام في كفارة فوجب فيه التتابع ككفارة القتل والظهار والمطلق يحمل على المقيد على ما قررناه فيما مضى فعلى هذا إن أفطرت المرأة لمرض أو حيض‏,‏ أو الرجل لمرض لم ينقطع التتابع وبهذا قال أبو ثور وإسحاق وقال أبو حنيفة‏:‏ ينقطع فيهما لأن التتابع لم يوجد‏,‏ وفوات الشرط يبطل به المشروط وقال الشافعي‏:‏ ينقطع في المرض في أحد القولين ولا ينقطع في الحيض ولنا أنه عذر يبيح الفطر‏,‏ أشبه الحيض في كفارة القتل‏.‏

مسألة

قال‏:‏ ‏[‏ ولو كان الحانث عبدا لم يكفر بغير الصوم‏]‏

لا خلاف في أن العبد يجزئه الصيام في الكفارة لأن ذلك فرض المعسر من الأحرار وهو أحسن حالا من العبد فإنه يملك في الجملة‏,‏ ولأن العبد داخل في قوله تعالى ‏{‏فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام‏}‏ وإن أذن السيد لعبده في التكفير بالمال لم يلزمه لأنه ليس بمالك لما أذن له فيه وظاهر كلام الخرقي أنه لا يجزئه التكفير بغير الصيام وقد قال غيره من أصحابنا‏,‏ فيما إذا أذن له سيده في التكفير بالمال روايتان إحداهما يجوز تكفيره به والأخرى‏,‏ لا يجوز إلا بالصيام وقد ذكرنا علل ذلك في الظهار والاختلاف فيه وذكر القاضي أن أصل هذا عنده الروايتان في ملك العبد بالتمليك‏,‏ إن قلنا‏:‏ يملك بالتمليك فملكه سيده وأذن له بالتكفير بالمال جاز لأنه مالك لما يكفر به وإن قلنا‏:‏ لا يملك بالتمليك ففرضه الصيام لأنه لا يملك شيئا يكفر به وكذلك إن قلنا‏:‏ يملك ولم يأذن له سيده بالتكفير في المال‏,‏ ففرضه الصيام وإن ملك لأنه محجور عليه ممنوع من التصرف فيما في يديه قال‏:‏ وأصحابنا يجعلون في العبد روايتين مطلقا‏,‏ سواء قلنا‏:‏ يملك أو لا يملك ثم على الرواية التي تجيز له التكفير بالمال له أن يطعم وهل له أن يعتق‏؟‏ على روايتين إحداهما‏,‏ ليس له ذلك لأن العتق يقتضي الولاء والولاية والإرث وليس ذلك للعبد ولكن يكفر بالإطعام وهذا رواية عن مالك وبه قال الشافعي‏,‏ على القول الذي يجيز له التكفير بالمال والثانية له التكفير بالعتق لأن من صح تكفيره بالمال صح بالعتق كالحر‏,‏ ولأنه يملك العبد فصح تكفيره بإعتاقه كالحر وقولهم‏:‏ إن العتق يقتضي الولاء والولاية لا نسلم ذلك في العتق في الكفارة‏,‏ على ما أسلفناه وإن سلمنا فتخلف بعض الأحكام لا يمنع ثبوت المقتضي‏,‏ فإن الحكم يتخلف لتخلف سببه لا لتخلف أحكامه كما أنه يثبت لوجود سببه ولأن تخلف بعض الأحكام مع وجود المقتضي‏,‏ إنما يكون لمانع منعها ويجوز أن يختص المنع بها دون غيرها ولهذا السبب المقتضي لهذه الأحكام لا يمنع ثبوته تخلفها عنه في الرقيق على أن الولاء يثبت بإعتاق العبد‏,‏ لكن لا يرث به كما لو اختلف ديناهما وهذا اختيار أبي بكر وفرع عليه إذا أذن له سيده فأعتق نفسه‏,‏ ففيه قولان أحدهما يجزئه لأنه رقبة تجزئ عن غيره فأجزأت عن نفسه كغيره والآخر لا يجزئه لأن الإذن له في الإعتاق ينصرف إلى إعتاق غيره وهذا التعليل يدل على أن سيده لو أذن له في إعتاق نفسه عن كفارته جاز فأما إن أطلق الإذن في الإعتاق‏,‏ فليس له أن يعتق إلا أقل رقبة تجزئ عن الواجب وليس له إعتاق نفسه إذا كانت أفضل مما يجزئ وهذا من أبي بكر يقتضي أنه لا يعتبر في التكفير أن يملكه سيده ما يكفر به لأنه لا يملك نفسه بل متى أذن له في التكفير بالعتق أو الإطعام‏,‏ أجزأه لأنه لو اعتبر التمليك لما صح له أن يعتق نفسه لأنه لا يملكها ولأن التمليك لا يكون إلا في معين‏,‏ فلا يصح أن يأذن فيه مطلقا‏.‏

فصل

وإذا أعتق العبد عبدا عن كفارته بإذن سيده وقلنا‏:‏ إن الإعتاق في الكفارة يثبت به الولاء لمعتقه ثبت ولاؤه للعبد الذي أعتقه لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-‏:‏ ‏"‏ إنما الولاء للمعتق ‏"‏ ولا يرث لأنه ليس من أهل الميراث‏,‏ ولا يمتنع ثبوت الولاء مع انتفاء الإرث كما لو اختلف دينهما أو قتل المعتق عتيقه فإنه لا يرثه مع ثبوت الولاء له عليه فإن عتق المعتق له ورث بالولاء‏,‏ لزوال المانع كما إذا كانا مختلفي الدين فأسلم الكافر منهما ذكر هذا طلحة العاقولي ومقتضى هذا أن سيد العبد لا يرث عتيقه في حياة عبده‏,‏ كما لا يرث ولد عبده فإن أعتق عبده ثم مات ورث السيد مولى عبده لأنه مولى مولاه‏,‏ كما أنه لو أعتق العبد وله ولد عليه الولاء لمولى أمه يجر ولاءه ويرثه سيده إذا مات أبوه‏.‏

فصل

وليس للسيد منع عبده من التكفير بالصيام‏,‏ سواء كان الحلف أو الحنث بإذنه أو بغير إذنه وسواء أضر به الصيام أو لم يضر به وقال الشافعي‏:‏ إن حنث بغير إذنه والصوم يضر به‏,‏ فله منعه لأن السيد لم يأذن له فيما ألزمه نفسه مما يتعلق به ضرر على السيد فكان له منعه وتحليله‏,‏ كما لو أحرم بالحج بغير إذنه ولنا أنه صوم واجب لحق الله - تعالى فلم يكن لسيده منعه منه‏,‏ كصيام رمضان وقضائه ويفارق الحج لأن ضرره كثير لطول مدته وغيبته عن سيده‏,‏ وتفويت خدمته ولهذا ملك تحليل زوجته منه ولم يملك منعها صوم الكفارة فأما صوم التطوع‏,‏ فإن كان فيه ضرر عليه فللسيد منعه منه لأنه يفوت حقه بما ليس بواجب عليه وإن كان لا يضر به‏,‏ لم يكن لسيده منعه منه لأنه يعبد ربه بما لا مضرة فيه فأشبه ذكر الله - تعالى وصلاة النافلة في غير وقت خدمته‏,‏ وللزوج منع زوجته منه في كل حال لأنه يفوت حقه من الاستمتاع ويمنعه منه‏.‏

مسألة

قال‏:‏ ‏[‏ولو حنث وهو عبد فلم يكفر حتى عتق عليه فعليه الصوم لا يجزئه غيره‏]‏

ظاهر هذا أن الاعتبار في الكفارات بحالة الحنث لأنه وقت الوجوب وهو حينئذ عبد‏,‏ فوجب عليه الصوم فلا يجزئه غير ما وجب عليه وقال القاضي‏:‏ هذا فيه نظر فإن المنصوص أنه يكفر كفارة عبد‏,‏ لأنه إنما يكفر بما وجب عليه يوم حنث ومعناه أنه لا يلزمه التكفير بالمال فإن كفر به أجزأه وهذا منصوص عن الشافعي‏,‏ ومن أصحابه من قال بقول الخرقي وليس على الخرقي حجة من كلام أحمد بل هو حجة له لقوله‏:‏ إنما يكفر ما وجب عليه ‏"‏ وإنما ‏"‏ للحصر‏,‏ تثبت المذكور وتنفي ما عداه ولم يجب عليه إلا الصوم فلا يكفر بغيره ووجه ذلك‏,‏ أنه حكم تعلق بالعبد في رقه فلم يتغير بحريته كالحد‏,‏ وهذا على القول الذي لم يجز فيه للعبد التكفير بالمال بإذن سيده فأما على القول الآخر فله التكفير ها هنا بطريق الأولى لأنه إذا جاز له في حال رقه التكفير بالمال‏,‏ ففي حال حريته أولى وإنما احتاج إلى إذن سيده في حال رقه لأن المال لسيده أو لتعلق حقه بماله‏,‏ وبعد الحرية قد زال ذلك فلا حاجة إلى إذنه وإن قلنا‏:‏ التكفير بأغلظ الأحوال لم يكن له التكفير بغير المال إن كان موسرا وإن حلف عبد وحنث وهو حر‏,‏ فحكمه حكم الأحرار لأن الكفارة لا تجب قبل الحنث فما وجبت إلا وهو حر‏.‏

فصل

من نصفه حر حكمه في التكفير حكم الحر الكامل‏,‏ فإذا ملك بجزئه الحر ما لا يكفر به لم يجز له الصيام وله التكفير بأحد الأمور الثلاثة وظاهر مذهب الشافعي‏,‏ أن له التكفير بالإطعام والكسوة دون الإعتاق لأنه لا يثبت له الولاء ومنهم من قال‏:‏ لا يجزئه إلا الصيام لأنه منقوص بالرق أشبه القن ولنا قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام‏}‏ وهذا واجد لأنه يملك ملكا تاما‏,‏ فأشبه الحر الكامل ولا نسلم أنه لا يثبت له الولاء ثم إن امتناع بعض أحكامه‏,‏ لا يمنع صحته كعتق المسلم رقيقه الكافر‏.‏

مسألة

قال‏:‏ ‏[‏ويكفر بالصوم من لم يفضل عن قوته وقوت عياله يومه وليلته‏,‏ مقدار ما يكفر به‏]‏

وجملة ذلك أن كفارة اليمين تجمع تخييرا وترتيبا فيتخير بين الخصال الثلاث‏,‏ فإن لم يجدها انتقل إلى صيام ثلاثة أيام ويعتبر أن لا يجد فاضلا عن قوته وقوت عياله يومه وليلته‏,‏ قدرا يكفر به وهذا قول إسحاق ونحوه قال أبو عبيد وابن المنذر وقال الشافعي‏:‏ من جاز له الأخذ من الزكاة لحاجته وفقره أجزأه الصيام لأنه فقير ولأن النخعي قال‏:‏ إذا كان مالكا لعشرين درهما‏,‏ فله الصيام وقال عطاء الخراساني‏:‏ لا يصوم من ملك عشرين درهما ولمن يملك دونها الصيام وقال سعيد بن جبير‏:‏ إذا لم يملك إلا ثلاثة دراهم كفر بها وقال الحسن‏:‏ درهمين وهذان القولان نحو قولنا ووجه ذلك‏,‏ أن الله تعالى اشترط للصيام أن لا يجد بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام‏}‏ ومن وجد ما يكفر به فاضلا عن قوته وقوت عياله فهو واجد‏,‏ فيلزمه التكفير بالمال لظاهر الآية ولأنه حق لا يزيد بزيادة المال فاعتبر فيه الفاضل عن قوته وقوت عياله‏,‏ يومه وليلته كصدقة الفطر‏.‏

فصل

فلو ملك ما يكفر به وعليه دين مثله‏,‏ وهو مطالب به فلا كفارة عليه لأنه حق آدمي والكفارة حق لله - تعالى فإذا كان مطالبا بالدين‏,‏ وجب تقديمه كزكاة الفطر فإن لم يكن مطالبا بالدين‏,‏ فكلام أحمد يقتضي روايتين إحداهما تجب الكفارة لأنه لا يعتبر فيها قدر من المال فلم تسقط بالدين كزكاة الفطر والثانية لا تجب لأنها حق لله تعالى‏,‏ يجب في المال فأسقطها الدين كزكاة المال وهذا أصح لأن حق الآدمي أولى بالتقديم لشحه‏,‏ وحاجته إليه وفيه نفع للغريم وتفريغ ذمة المدين‏,‏ وحق الله - تعالى - مبني على المسامحة لكرمه وغناه ولأن الكفارة بالمال لها بدل ودين الآدمي لا بدل له‏,‏ ويفارق صدقة الفطر لكونها أجريت مجرى النفقة ولهذا يتحملها الإنسان عن غيره كالزوج عن امرأته وعائلته ورقيقه ولا بدل لها‏,‏ بخلاف الكفارة‏.‏

فصل

فإن كان له مال غائب أو دين يرجو وفاءه لم يكفر بالصيام وهذا قول الشافعي وقال أبو حنيفة‏:‏ يجزئه الصيام لأنه غير واجد‏,‏ فأجزأه الصيام عملا بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام‏}‏ وقياسا على المعسر والدليل على أنه غير واجد أن المتمتع لو عدم الهدي في موضعه‏,‏ انتقل إلى الصيام ولو عدم الماء في موضعه انتقل إلى التيمم‏,‏ ولو عدم المظاهر المال في موضعه انتقل إلى الصيام والانتقال في هذه المواضع مشروط بعدم الوجدان‏,‏ ولأنه غير متمكن من التكفير بالمال أشبه هذه الأصول ولنا أنه حق مال يجب على وجه الطهرة‏,‏ فلم تمنع الغيبة وجوبه كالزكاة ولأنه غير مؤقت‏,‏ ولا ضرر في تأخيره فلم يسقط بغيبته كالزكاة‏,‏ وفارق الهدي فإن له وقتا يفوت بالتأخير والتيمم يفضي تأخيره إلى فوات الصلاة وتأخير كفارة الظهار يفضي إلى ترك الوطء‏,‏ وفيه ضرر بخلاف مسألتنا ولا نسلم عدم التمكن ولهذا صح بيع الغائب‏,‏ مع أن التمكن من التسليم شرط‏.‏

مسألة

قال ‏[ومن له دار لا غنى له عن سكناها أو دابة يحتاج إلى ركوبها أو خادم يحتاج إلى خدمته‏,‏ أجزأه الصيام في الكفارة‏]‏

وجملته أن الكفارة إنما تجب فيما يفضل عن حاجته الأصلية والسكنى من الحوائج الأصلية وكذلك الدابة التي يحتاج إلى ركوبها لكونه لا يطيق المشي فيما يحتاج إليه‏,‏ أو لم تجر عادته به وكذلك الخادم الذي يحتاج إلى خدمته لكونه ممن لا يخدم نفسه لمرض أو كبر‏,‏ أو لم تجر عادته به فهذه الثلاثة من الحوائج الأصلية لا تمنع التكفير بالصيام ولا الزكاة من الأخذ والكفارة وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة‏,‏ ومالك‏:‏ من ملك رقبة تجزئ في الكفارة لا يجزئه الصيام وإن كان محتاجا إليها لخدمته لأنه واجد لرقبة يعتقها‏,‏ فيلزمه ذلك لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام‏}‏ فاشترط للصيام أن لا يجدها ولنا أنها مستغرقة لحاجته الأصلية فلم تمنع جواز الانتقال‏,‏ كالمسكن والمركوب والطعام الذي هو محتاج إليه وما ذكروه يبطل بالطعام المحتاج إليه وبما إذا وجد الماء وهو محتاج إليه للعطش‏,‏ فإنه لا يمنع الانتقال إلى التيمم ولأن وجدان ثمن الرقبة كوجدانها ولهذا لم يجز لمن وجد ثمنها الانتقال إلى الصيام‏,‏ ومع هذا لو وجد ثمنها الذي يحتاج إليه لم يمنعه الانتقال‏,‏ كذا ها هنا إذا ثبت هذا فإنه إن كان في شيء من ذلك فضل عن حاجته مثل من له دار كبيرة تساوي أكثر من دار مثله‏,‏ ودابة فوق دابة مثله وخادم فوق خادم مثله يمكن أن يحصل به قدر ما يحتاج إليه وتفضل فضلة يكفر بها‏,‏ فإنه يباع منه الفاضل عن كفايته أو يباع الجميع ويبتاع له قدر ما يحتاج إليه‏,‏ ويكفر بالباقي وإن تعذر بيعه أو أمكن البيع ولم يمكن شراء ما يحتاج إليه ترك ذلك‏,‏ وكان له الانتقال إلى الصيام لأنه تعذر الجمع بين القيام بحاجته والتكفير بالمال فأشبه ما لو لم يكن فيه فضل‏.‏

فصل

ومن له عقار يحتاج إلى أجرته لمؤنته أو حوائجه الأصلية أو بضاعة يختل ربحها المحتاج إليه بالتكفير منها أو سائمة يحتاج إلى نمائها حاجة أصلية‏,‏ أو أثاث يحتاج إليه وأشباه هذا فله التكفير بالصيام لأن ذلك مستغرق لحاجته الأصلية‏,‏ فأشبه المعدم‏.‏

مسألة

قال ‏[‏ويجزئه إن أطعم خمسة مساكين وكسا خمسة‏]‏

وجملته أنه إذا أطعم بعض المساكين وكسا الباقين‏,‏ بحيث يستوفي العدد أجزأه في قول إمامنا‏,‏ والثوري وأصحاب الرأي وقال الشافعي‏:‏ لا يجزئه لقول الله - تعالى‏:‏ ‏{‏فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم‏}‏ فوجه الدلالة من وجهين أحدهما‏:‏ أنه جعل الكفارة أحد هذه الخصال الثلاثة ولم يأت بواحد منها الثاني‏,‏ أن اقتصاره على هذه الخصال الثلاث دليل على انحصار التكفير فيها وما ذكرتموه خصلة رابعة ولأنه نوع من التكفير‏,‏ فلم يجزئه تبعيضه كالعتق ولأنه لفق الكفارة من نوعين‏,‏ فأشبه ما لو أعتق نصف عبد وأطعم خمسة أو كساهم ولنا أنه أخرج من المنصوص عليه بعده العدد الواجب فأجزأ كما لو أخرجه من جنس واحد‏,‏ ولأن كل واحد من النوعين يقوم مقام صاحبه في جميع العدد فقام مقامه في بعضه كالكفارتين‏,‏ وكالتيمم لما قام مقام الماء في البدن كله في الجنابة جاز في بعضه في طهارة الحدث فيما إذا كان بعض بدنه صحيحا وبعضه جريحا‏,‏ وفيما إذا وجد من الماء ما يكفي بعض بدنه ولأن معنى الطعام والكسوة متقارب إذ القصد منهما سد الخلة ودفع الحاجة‏,‏ وقد استويا في العدد واعتبار المسكنة في المدفوع إليه وتنوعهما من حيث كونهما في الإطعام سدا لجوعه وفي الكسوة ستر العورة‏,‏ لا يمنع الإجزاء في الكفارة الملفقة منهما كما لو كان أحد الفقيرين محتاجا إلى ستر عورته والآخر إلى الاستدفاء‏,‏ ولأنه قد خرج عن عهدة الذين أطعمهم بالإطعام ويخرج عن عهدة الذين كساهم بالكسوة بدليل أنه لا يلزمه بالإنفاق أكثر من إطعام من بقي ولا كسوة أكثر ممن بقي‏,‏ وإذا خرج عن عهدة عشرة مساكين وجب أن يجزئه كما لو اتفق النوع وأما الآية‏,‏ فإنها تدل بمعناها على ما ذكرناه فإنها دلت على أنه مخير في كل فقير بين أن يطعمه أو يكسوه وهذا يقتضي ما ذكرناه‏,‏ ويصير كما يخير في الصيد الحرمي بين أن يفديه بالنظير أو يقوم النظير بدراهم فيشتري بها طعاما يتصدق به‏,‏ أو يصوم عن كل مد يوما فلو صام عن بعض الأمداد وأطعم بعضا‏,‏ أجزأ كذلك ها هنا وكذلك الدية لما كان مخيرا بين إخراج ألف دينار أو اثني عشر ألف درهم‏,‏ لو أعطى البعض ذهبا والبعض دراهم جاز وفارق ما إذا أعتق نصف عبد وأطعم خمسة أو كساهم لأن تنصيف العتق يخل بالآخر لما سنذكره بعد هذا‏.‏

فصل

وإن أطعم المسكين بعض الطعام‏,‏ وكساه بعض الكسوة لم يجزئه لأنه ما أطعمه الطعام الواجب له ولا كساه الكسوة الواجبة‏,‏ فصار كمن لم يطعمه شيئا ولم يكسه وإن أطعم بعض المساكين برا وبعضهم تمرا‏,‏ أو من جنس آخر أجزأ وقال الشافعي‏:‏ لا يجزئه ولنا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فكفارته إطعام عشرة مساكين‏}‏ وقد أطعمهم من جنس ما يجب عليه‏,‏ ولأنه لو كسا بعض المساكين قطنا وبعضهم كتانا جاز‏,‏ مع اختلاف النوع كذلك الإطعام‏.‏

مسألة

قال‏:‏ ‏[‏وإن أعتق نصفي عبدين أو نصفي أمتين‏,‏ أو نصفي عبد وأمة أجزأ عنه‏]‏

قال الشريف أبو جعفر‏:‏ هذا قول أكثرهم يعني أكثر الفقهاء وقال أبو بكر بن جعفر‏:‏ لا يجزئ لأن المقصود من العتق تكميل الأحكام ولا يحصل من إعتاق نصفين واختلف أصحاب الشافعي على ثلاثة أوجه فمنهم من قال كقول الخرقي‏,‏ ومنهم من قال كقول أبي بكر ومنهم من قال‏:‏ إن كان نصف الرقيق حرا أجزأ لأنه يحصل تكميل الأحكام‏,‏ وإن كان رقيقا لم يجز لأنه لا يحصل ولنا أن الأشقاص كالأشخاص فيما لا يمنع منه العيب اليسير‏,‏ دليله الزكاة ونعني به إذا كان له نصف ثمانين شاة مشاعا وجبت الزكاة‏,‏ كما لو ملك أربعين منفردة وكالهدايا والضحايا إذا اشتركوا فيها والأولى أنه لا يجزئ إعتاق نصفين إذا لم يكن الباقي بينهما حرا لأن إطلاق الرقبة إنما ينصرف إلى إعتاق الكاملة‏,‏ ولا يحصل من الشقصين ما يحصل من الرقبة الكاملة من تكميل الأحكام وتخليص الآدمي من ضرر الرق ونقصه فلا يثبت به من الأحكام ما يثبت بإعتاق رقبة كاملة‏,‏ ويمتنع قياس الشقصين على الرقبة الكاملة ولهذا لو أمر إنسانا بشراء رقبة أو بيعها أو بإهداء حيوان أو بالصدقة به‏,‏ لم يكن له أن يشقصه كذا ها هنا‏.‏

مسألة

قال‏:‏ ‏[‏ وإن أعتق نصف عبد وأطعم خمسة مساكين‏,‏ أو كساهم لم يجزئه‏]‏

لا نعلم في هذا خلافا وذلك لأن مقصودهما مختلف متباين إذ كان القصد من العتق تكميل الأحكام‏,‏ وتخليص المعتق من الرق والقصد من الإطعام والكسوة سد الخلة وإبقاء النفس‏,‏ بدفع المجاعة في الإطعام وستر العورة ودفع ضرر الحر والبرد في الكسوة‏,‏ فلتقارب معناهما واتحاد مصرفهما جريا مجرى الجنس الواحد‏,‏ فكملت الكفارة من أحدهما بالآخر ولذلك سوى بين عددهما ولتباعد مقصد العتق منهما‏,‏ واختلاف مصرفهما ومباينتهما له لم يجريا مجرى الجنس الواحد‏,‏ فلم يكمل به واحد منهما ولذلك خالف عدده عددهما‏.‏

فصل

ولو أطعم بعض المساكين أو كساهم‏,‏ أو أعتق نصف عبد ولم يكن له ما يتم به الكفارة فصام عن الباقي‏,‏ لم يجزئه ولأنه بدل في الكفارة فلم تكمل به كسائر الأبدال مع مبدلاتها‏,‏ ولأن الصوم من الطعام والكسوة أبعد من العتق فإذا لم يجز تكميل أحد نوعي المبدل من الآخر‏,‏ فتكميله بالبدل أولى فإن قيل‏:‏ يبطل هذا بالغسل والوضوء مع التيمم قلنا‏:‏ التيمم لا يأتي ببعضه بدلا عن بعض الطهارة وإنما يأتي به بكماله وها هنا لو أتى بالصيام جميعه‏,‏ أجزأه‏.‏

مسألة

قال‏:‏ ‏[‏ ومن دخل في الصوم ثم أيسر لم يكن عليه الخروج من الصوم إلى العتق‏,‏ أو الإطعام إلا أن يشاء‏]‏

في هذه المسألة فصلان‏:‏

الفصل الأول‏:‏

أنه إذا شرع في الصوم ثم قدر على العتق أو الإطعام أو الكسوة‏,‏ لم يلزمه الرجوع إليها روي ذلك عن الحسن وقتادة وبه قال مالك والشافعي‏,‏ وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر وروي عن النخعي والحكم‏,‏ أنه يلزمه الرجوع إلى أحدها وبه قال الثوري وأصحاب الرأي لأنه قدر على المبدل قبل إتمام البدل‏,‏ فلزمه الرجوع كالمتيمم إذا قدر على الماء قبل إتمام صلاته ولنا أنه بدل لا يبطل بالقدرة على المبدل‏,‏ فلم يلزمه الرجوع إلى المبدل بعد الشروع فيه كما لو شرع المتمتع العاجز عن الهدي في صوم السبعة الأيام فإنه لا يخرج‏,‏ بلا خلاف والدليل على أن البدل لا يبطل أن البدل الصوم وهو صحيح مع قدرته اتفاقا‏,‏ وفارق التيمم فإنه يبطل بالقدرة على الماء بعد فراغه منه ولأن الرجوع إلى طهارة الماء لا مشقة فيه ليسره‏,‏ والكفارة يشق الجمع فيها بين خصلتين وإيجاب الرجوع يفضي إلى ذلك فإن قيل‏:‏ ينتقض دليلكم بما إذا شرع المتمتع في صوم الثلاثة قلنا‏:‏ إذا قدر على الهدي في صوم الثلاثة تبينا أنه ليس بعادم له في وقته لأن وقت الهدي يوم النحر‏,‏ بخلاف مسألتنا

الفصل الثاني‏:‏

أنه إن أحب الانتقال إلى الأعلى فله ذلك في قول أكثرهم‏,‏ ولا نعلم خلافا إلا في العبد إذا حنث ثم عتق وقال أبو الخطاب‏:‏ لا يجوز الانتقال في مسألتنا محتجا بقول الخرقي‏:‏ إذا حنث وهو عبد فلم يكفر حتى عتق قال‏:‏ وهو ظاهر كلام أحمد لقوله في العبد‏:‏ إنما يكفر ما وجب عليه ولنا‏,‏ أن العتق والإطعام الأصل فأجزأه التكفير به كما لو تكلف الفقير فاستدان وأعتق فأما العبد إذا عتق‏,‏ فيحتمل أنه يجوز له الانتقال كمسألتنا ويحمل كلام أحمد على أنه لا يلزمه الانتقال ويحتمل أنه يفرق بينه وبين الحر‏,‏ من حيث إن الحر كان يجزئه التكفير بالمال لو تكلفه والعبد لم يكن يجزئه إلا الصيام على رواية‏.‏

فصل

ولو وجبت الكفارة على موسر فأعسر‏,‏ لم يجزئه الصيام وبهذا قال الشافعي وقال أبو ثور وأصحاب الرأي‏:‏ يجزئه لأنه عاجز عن المبدل فجاز له العدول إلى البدل كما لو وجبت عليه الصلاة ومعه ماء فاندفق قبل الوضوء به ولنا‏,‏ أن الإطعام وجب عليه في الكفارة فلم يسقط بالعجز عنه كالإطعام في كفارة الظهار‏,‏ وفارق الوضوء لأن الصلاة واجبة ولا بد من أدائها فاحتيج إلى الطهارة لها في وقتها‏,‏ بخلاف الكفارة‏.‏

فصل

والكفارة في حق العبد والحر والرجل والمرأة والمسلم والكافر‏,‏ سواء لأن الله - تعالى - ذكر الكفارة بلفظ عام في جميع المخاطبين فدخل الكل في عمومه إلا أن الكافر لا يصح منه التكفير بالصيام لأنه عبادة وليس هو من أهلها‏,‏ ولا بالإعتاق لأن من شرطه الإيمان في الرقبة ولا يجوز لكافر شراء مسلم إلا أن يتفق إسلامه في يديه‏,‏ أو يرث مسلما فيعتقه فيصح إعتاقه وإن لم يتفق ذلك فتكفيره بالإطعام أو الكسوة فإذا كفر به ثم أسلم‏,‏ لم يلزمه إعادة التكفير وإن أسلم قبل التكفير كفر بما يجب عليه في تلك الحال من إعتاق أو إطعام أو كسوة أو صيام ويحتمل على قول الخرقي‏,‏ ألا يجزئه الصيام لأنه إنما يكفر بما وجب عليه حين الحنث ولم يكن الصيام مما وجب عليه